الشيخ عبد القادر الصوفي المرابط وريث المدرسة الصوفية المغربية

By Another Muslim of Norwich

Jan 5th, 2010

Shaykh Dr Abdalqadir as-Sufi
Shaykh Dr Abdalqadir as-Sufi

الشيخ عبد القادر الصوفي المرابط

وريث المدرسة الصوفية المغربية

الأستاذ الباحث : عزيز الكبيطي إدريسي

فاس – المملكة المغربية

احتفاء بمسجد غرناطة ، إسبانيا

المؤتمر السنـوي السـادس

الإسـلام فـي أوروبـا

من 9 إلى 12 يوليوز 2009

عنوان المحاضرة : الشيخ عبد القادر الصوفي المرابط

وريث المدرسة الصوفية المغربية

الأستاذ الباحث : عزيز الكبيطي إدريسي

فاس – المملكة المغربية

بسم الله الرحمان الرحيم ، والصلاة والسلام على سيد المرسلين ، محمد المصطفى الأمين (صلى الله عليه و على آله و صحبه وسلم)، اللهم صل على سيدنا محمد الذي ملأت قلبه من جلالك وعينه من جمالك فأصبح فرحا مؤيدا منصورا وعلى آله وصحبه وسلم تسليما والحمد لله على ذلك.

موضوع هذه المحاضرة هو : “الشيخ عبد القادر الصوفي المرابط : وريث التصوف المغربي، ونلا حظ بداية ، أن كلمة وريثفي العنوان وردت نكرة حتى لا نكون قد أبخسنا شيوخا آخرين في المغرب حقهم من هذه الوراثة ، إذ اليوم يشهد المغرب تألقا غير معهود في مجال التربية الروحية ، وتشهد الساحة طرقا متألقة صحيحة النسب والنسبة وكاملة الوراثة كالطريقة البودشيشية على سبيل المثال تحت إشراف شيخها الحي القدوة حمزة القادري البودشيشي(ولد:1922م) أطال الله عمره.

والمقصود بوراثة التصوف المغربي ليس فقط هو وراثة تلك المدرسة الصوفية السلوكية التربوية التي عرفها المغرب على غرار كل بلدان العالم الإسلامي والتي ترجع بأصولها إلى عهد وسلوك الرسول [صلى الله عليه و على آله و صحبه و سلم] ، و إنما المقصود به أيضا في هذا السياق هو وراثة ذلك النسق الديني المتكامل و الشامل الذي عرفه المغرب منذ الفتح الإسلامي الأول وظل مستمرا عبر تعاقب الدول والعصور مع فجوات بسيطة في التاريخ ، وقد اصطلح العلماء على تسمية هذا النسق بالإحسان أي المقام الأكمل من مقامات الدين الذي يحتوي على منظومة شاملة من الفقه و العقيدة و السلوك ، أو الشريعة والطريقة الحقيقة.

و سنحاول البحث في مدى وراثة الشيخ عبد القادر للتصوف المغربي – بالمفهوم الذي قدمناه – وذلك من خلال السعي إلى الإجابة قدر الإمكان عن جملة من الأسئلة ، أهمها: ما علاقة الشيخ عبد القادر الصوفي بالتصوف المغربي؟ ما قيمة الموروث الصوفي الذي نهل منه الشيخ عبد القادر؟ ما علامة وراثة الشيخ عبد القادر للتصوف المغربي؟ ما هي أهم تجليات هذا الموروث: فقهيا ، عقديا و سلوكيا؟

ما علاقة الشيخ عبد القادر الصوفي بالتصوف المغربي؟

- تعرف الشيخ عبد القادر على التصوف الإسلامي في المغرب-كما هو معلوم- ، حيث اعتنق الإسلام على يد إمام مسجد القرويين الشيخ عبد الكريم الداودي في مدينة فاس سنة:1963م ، وفي سنة: 1967م أخذ النسبة الصوفية الشاذلية الدرقاوية عن طريق الشيخ محمد بن الحبيب الدرقاوي (ولد سنة:1876م) الذي أطلق عليه لقب الصوفي“. بعد ذلك ، عيِّن الشيخ عبد القادر الصوفي مقدما من طرف الشيخ ابن الحبيب لتمثيله في الغرب ولتأسيس زاوية في بلده الأصلي ابريطانيا ، لكن بعد وفاة شيخ الزاويـة الحبيبيــة سنة:1972م ، سيواصل عبد القادر الصوفي سفره الباطني رفقة [و أقول رفقة وليس تحت إشراف] بعض من شيوخ الحبيبية الدرقاوية كالشيخ فضول الهواري الصوفي الفاسي والشيخ محمد بلقرشي.

بعد ذلك سيرحل الشيخ عبد القادر الصوفي إلى أوروبا امتثالا لأمر شيخه :”محمد بن الحبيبالذي كان قد عينه – كما سبقت الإشارة- مقدما للطريقة الحبيبية الدرقاوية في الغرب ، كما كان قد بشره بحدوث فتح غير عادي على يديه ، حين قال له يوما:” إذا بقيت معي هنا [المغرب ] سيحدث شيء، لكن إذا رجعت إلى أنجلترا فسترى بأم عينيك ما سيقع Shaykh ibn al-Habib said to him, “You can stay here with me, and something might happen. But go to England and see what will happen,”[3]

إن جسامة مسؤولية نشر الإسلام بحقيقته و شريعته وسط مجتمع غربي مشحون بأحكام جاهزة، متعصبة ومليئة بالكراهية ، حول الإسلام والمسلمين ، جعلت الشيخ عبد القادر الصوفي يتوجه مجددا إلى شمال إفريقيا بحثا عن مصدر نوراني آخر لاستكمال طاقته و تهيئه الروحي استعدادا للمهمة العظيمة التي تنتظره ، إذ سيعثر على ضالته في مدينة بنغازي بليبيا ورفقة الشيخ حمودة الفيتوري، شيخ العليوية الدرقاوية و أحد الورثة المباشرين للشيخ أحمد بن مصطفى العليوي، حيث سيقضي إلى جانبه هناك مدة توجت بخلوة وجيزة سيعلن بعدها الشيخ حمودة الفيتوري تعيينه للشيخ عبد القادر وريثا لفرعَي الدرقاوية الحبيبية والعليوية اللتان يعتقدان أنهما سيتوحدان تحت إمرته.و ذلك لما لمس فيه من قوة حال وعلو همة.

هكذا ، سيبدأ الشيخ عبد القادر الصوفي و إلى يومنا هذا رحلة جهاد لا ينقطع و لا يعرف الكلل و الملل و لا يتخلله الفتور في الدعوة إلى الله و إلى صراطه المستقيم المتمثل في الدين الإسلامي بكلياته الخمس و بمقاماته الثلاث [الإسلام والإيمان والإحسان] ، إذ ستنطلق دعوة الشيخ عبد القادر الصوفي من مدينة نورويجبابريطانيا التي سيؤسس بها أول نواة إسلامية صوفية في الغرب تتكون لأول مرة في التاريخ الإسلامي،على حسب علمي ، من نخبة من الغربيين المتحولين إلى الإسلام.

ومن ابريطانيا ستنطلق دعوته باتجاه كل أوروبا و باتجاه أمريكا الشمالية وأمريكا اللاتينية وباتجاه آسيا و افريقيا لاحقا ، و اليوم باتجاه كل العالم . إذ كلما و أينما وجدت هذه الدعوة أرضا خصبة أينعت ثمارا حلوة و لذيذة ، و لعل مسجد غرناطة أفضل مثال على نورانية هذه الدعوة التي وجدت أرضا خصبة فأينعت ثمرة مباركة بإذن الله.

هكذا إذن ، نخلص إلى أن علاقة الشيخ عبد القادر الصوفي بالتصوف المغربي علاقة مدد و امتداد :

- فالشيخ عبد القادر اعتنق الإسلام في المغرب ، و بالضبط في العاصمة الروحية للمملكة، و في مسجد عريق كان مركزاً مغربيا للإشعاع الإسلامي على مختلف بلدان العالم .

- وفي المغرب تعرف و تشرب معين التصوف الشاذلي الدرقاوي الحبيبي .

- استمر في مصاحبة و الاتصال بالعديد من شيوخ التصوف المغاربة لاسيما بفضول الهواري و محمد بلقرشي و غيرهما..

_ عُيِّن مقدما للطريقة الحبيبية الدرقاوية المغربية في الغرب.

- بويع ،بعد ذلك، شيخا للحبيبية الدرقاوية في الغرب..

ما قيمة الموروث الصوفي الذي نهل منه الشيخ عبد القادر؟

يعتبر الموروث الصوفي الذي نهل منه الشيخ عبد القادر الصوفي من أنقى وأصفى المشارب الصوفية على الإطلاق ، و هو المشرب الشاذلي الدرقاوي الحبيبي، الذي ينسب في أصله إلى الشيخ المغربي عبد السلام بن المشيش دفين جبل لعلام، شمال المغرب الذي يصفه صاحب كتاب : “الدرر البهية“: بأنههو القطب الأكبر، و العلم الأشهر، و الطود الأظهر، العالي السنام، وهو البدر الطالع، الواضح البرهان، الغني عن التعريف والبيان المشتهر في الدنيا قدره، والذي لا يختلف في غوثيته اثنان..و طريقه ترياق شاف، لأدواء العباد، وذكره رحمة نازلة في كل ناد. سرى سره في الآفاق ، وسارت بمناقبه الركبان و الرفاق..”

و إلى تلميذه القطب علي الغماري الملقب بأبي الحسن الشاذلي المغربي الذي قال عنه تلميذه الشهير أبو العباس المرسي : “فإني صحبت رأساً من رؤوس الصديقين وأخذت سراً لا يكون إلا لواحد بعد واحد وبه افتخر وإليه انتسب وهو سيدي أبو الحسن الشاذلي، وقد كان أبو الحسن الشاذلي يقول عن تلميذه أبو العباس المرسي: “هذا أبو العباس منذ نفذ إلى الله لم يحجب و لو طلب الحجاب لم يجده .

و قد تجدد هذا المشرب على يد الشيخ المغربي العربي الدرقاوي وريث الشيخ مولاي علي العمراني الملقب بالجمل دفين مدينة فاس، والذي كان من أهل الخصوصية الذين لا يفارقون رسول الله (صلى الله عليه وسلم) باطنا و ظاهرا ، حيث يقول :”اعلم أن ما خصني به مولانا من فضله و جوده وإحسانه ، أن جعلني ما ذكرت النبي(صلى الله عليه وسلم) بفكر أو ذكر إلا وجدته معي ، و أنا بين يديه جهرة ، حسا لا معنى، يحدثني (صلى الله عليه وسلم) بعلوم المغيبات ، و آخذ عنه علوم الظاهر و علوم الباطن وأصحابه جالسون معي بين يديه (صلى الله عليه وسلم) ورضي الله عنهم أجمعينفصرت آخذ العلم والعمل من عين العلم والعمل، والجود والكرم من عين الجود و الكرم، والصدق والتصديق من عين الصدق والتصديق، والحق والتحقيق من عين الحق والتحقيق. فيه أرقص وبه أغني وفيه فناء فنائي عني؛ فهو ذكري وشهودي وفكري، وهو شرابي و مدامي وخمري ، أما الشيخ العربي الدرقاوي فكان شأنه شأن شيخه ، إذ هو كما وصفه العلامة سيدي أحمد بن محمد الزكاري الحسني المدعو بابن الخياط ، قائلا: “[هو] الشيخ الإمام الغوث الهمام الذي انتفع به الخاص والعام ، الولي الشهير والصديق الكبير العارف الكامل المحقق الواصل المغرق في بحر الأحدية ، المتلاشي في عظمة الذات العلية، المتمكن الراسخ، الطود الشامخ، الجامع بين الشريعة والحقيقة ، الحائز في كل مقام تحقيقه ، كهف الأنام، وملجأ الخاص و العام، حد ومقدمة الأئمة الأماجد ، ومحيي سنة المصطفى (صلى الله عليه وسلم) التي يجب العض عليها بالنواجذ ، آية الرحمن، ونادرة الزمان ، كلمة الله اللدنية، ومجمع تجلياته السنية

و أخيرا و ليس آخرا على يد الشيخ محمد بن الحبيب الأمغاري الحسني الذي كان درقاويًا بدويَ المشرب أخذ الإذن في التربية والإرشاد الروحي من الشيخ محمد بن علي دفين مراكش الذي أخذه من الشيخ العربي الهواري من الشيخ محمد العربي من الشيخ أحمد البدوي من الشيخ العربي الدرقاوي ، وقد بلغ في تصوفه مبلغ القطبية –حسب أصحابه- إذ كانت أحواله وأسراره ومبثوثاته لطيفة لا يمكن تجاوزها على الإطلاق في تاريخ التصوف ، ومن علامات الكمال في جميع أحواله : توازنه وحكمته العميقة وثقته الدائمة في الله وذكره وتمجيده له مع كل نَفَس من أنفاسه. لقد قال عن نفسه وهو يشير إلى سنواته الأولى في التصوف عندما كان يُدرِّس العربية في جامع القرويين بفاس: “كان مقامي عندما كنت أُدرِّس في القرويين مساويا لمقام مولاي عبد القادر الجيلاني . وإذا ما تأملنا الإنجازات التي حققها في إحياء الطريقة الدرقاوية على الرغم من السنوات العسيرة التي مرت بها في عهده فإننا ندرك حجم الرجل وقوة شخصيته الدينية وموقعه الحيوي في تاريخ التصوف بالمغرب، لاسيما في النصف الأول من القرن العشرين حيث كان الدرقاويون يُذبَّحون ويُعَذَّبون من طرف قوات الاستعمار الفرنسي تحت الزعامة الكاثوليكية المتعصبة للمقيم العام [الجينيرال ليوطي] ، وعندما رحل الفرنسيون استمرت النخبة المنادية بالدولة والحداثة التي تَسمَّت [بالحركة الوطنية] في اضطهادهم ، لأن هؤلاء الرجال[كما يقول الشيخ عبد القادر] كانوا يشكلون تهديدا لهم ؛ فلا يمكن بناء دولة مستهلكة مادام هناك رجال يؤمنون بأنك إذا أردت أن تكون مستهلِكا فلن تصير إلا مستهلَكًا

لكن الإنجاز الأهم للشيخ محمد بن الحبيب هو الامتداد الكبير الذي حققه لطريقته والذي سيتواصل بعد وفاته ، لقد قال الشيخ محمد بن الحبيب لأحد مريديه:”جميع الأولياء لهم كرامات لكن أعظم كرامات الأولياء تأتي بعد وفاتهم ، انتظر وسوف ترى، يقول الشيخ عبد القادر معلِّقا على هذا الكلام : ” لقد كانت إحدى كرامات الشيـخ التي نبعـت من تعاليمه المباشرة وصبره وتضرعه هي ذلك الانتشار المثير للإسلام في أنجلترا، واسبانيا والولايات المتحدة . و هو في هذا القول إنما يخفي نفسه [كما هوحال كبار أهل التصوف] وينسب الفضل كله بعد الله سبحانه وتعالى ورسوله الأكرم(صلى الله عليه وسلم) لشيخه محمد بن الحبيب ، وذاك غاية الأدب.

و لعلني أجزم أن من أهم كرامات الشيخ التي ظهرت بعد وفاته هي أن يتخرج من مدرسته شيخا غربيا عالما مجاهدا، عارفا بالله ، مجددا لدينه وهو الشيخ عبد القادر الصوفي المرابط الذي يعد استمرارا شرعيا لمدرسة الأقطاب الشاذلية ، و الذي أحيا الله به بلادا وقلوبا لم تكن تعرف الإسلام من قبل ؛ فصارت به حية مستنيرة ومنيرة لأن سره سر أنوار وحياة ، ولعله ليس من باب المبالغة أن الشيخ أحمد زروق كان يردد دائما:”من حلف أن طريق الشاذلية عليها كانت بواطن الصحابة رضي الله تعالى عنهم ما حنث في يمينه ، بل لعل مجرد التصديق بهذا السر يكون من باب الولاية، كما كان يقول الشيخ أبو الحسن الشاذلي: أن التصديق بطريقتنا هذه ولاية . فاللهم اجعلنا من المصدقين ومن المعترفين و المغترفين من أنوار وأسرار هذه الطريقة.آمين.

ما علامة وراثة الشيخ عبد القادر للتصوف المغربي؟

إن كل الدلائل و الشواهد المادية و المعنوية تفيد أن الشيخ عبد القادر الصوفي هو وريث السند الصوفي الحبيبي الشاذلي الدرقاوي ، و أول هذه الشواهد انطباق أوصاف أهل الله عليه في قوله (صلى الله عليه وسلم) حين سئل أي جلسائنا خير ؛ فقال:( من ذكركم الله رؤيته وزاد في عملكم منطقه ورغبتكم في الآخرة عمله)، فصاحب هذه الأوصاف تجتمع حوله الخلائق وتلتف حوله القلوب التي تطلب الزاد فترتاح له المهج حين تجد ما تطلب.

ثانيا ، دلالة تعيين الشيخ محمد بن الحبيب لعبد القادر الصوفي كمقدم له في الغرب في الدلالة على الله و الدعوة إلى الإسلام.

ثالثا ، يمكن أيضا استخلاصها من أقوال الشيخ محمد بن الحبيب الدرقاوي الموجهة للشيخ عبد القادر الصوفي بشكل مباشر مثل قوله: إذا بقيت معي هنا [المغرب ] سيحدث شيء، لكن إذا رجعت إلى أنجلترا فسترى بأم عينيك ما سيقع، أو غير مباشر كقوله: “جميع الأولياء لهم كرامات لكن أعظم كرامات الأولياء تأتي بعد وفاتهم ، انتظر وسوف ترى.

لكن العلامة الحقيقية لهذه الوراثة هو هذا الفتح البين و الواضح لكل ذي بصر وبصيرة المتمثل في الانتشار الكبير للإسلام و للطريقة الحبيبية الدرقاوية في العالم بأسره على يد الشيخ عبد القادر الصوفي ، و أيضا في هذا التوحد و الوحدة التي تلف المجتمعات المسلمة التابعة للحركة العالمية للمرابطين الشاذليين الدرقاويين الحبيبيين تحت الزعامة الروحية للشيخ عبد القادر. مما يجعلني أخمن أن الشيخ محمد بن الحبيب الدرقاوي عندما قال:” جميع الأولياء لهم كرامات لكن أعظم كرامات الأولياء تأتي بعد وفاتهم ، فانه كان ينظر بعين بصيرته إلى الشيخ عبد القادر الصوفي متنبأ بفراسته التي كانت مسددة بنور الولاية المستمدة من نور الله ، ما سيؤول إليه مصير طريقته من بعده كما هو حالها الآن. فأعظم كرامة الشيوخ أن يجعل الله الفتح حيا و مستمرا في الذي يخلفهم ، و هذا حال أصل الطريقة الشاذلية للشيخ عبد السلام بن مشيش الذي عاش بسيطا و مجهولا لكن أعظم كراماته تجلت في تلميذه الشيخ أبو الحسن الشاذلي التي تسمت الطريقة باسمه. و في هذا حكمة من حكم الله سبحانه و تعالى القائل: ما ننسخ من ءآية أو ننسها نأتي بخير منها أو مثلها، حيث سبقت الخيرية المثلية لأن رحمة الله سبحانه وتعالى دائما في ازدياد قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا صدق الله العظيم.

تجليات و مظاهر الوراثة الصوفية للخصوصية المغربية:

من أبرز مظاهر وراثة الشيخ عبد القادر الصوفي للتصوف المغربي التزامه التصوف الجنيدي بالإضافة إلى العقيدة الأشعرية والفقه المالكي، هذه الثلاثية تعتبر إحدى أهم مميزات التصوف المغربي ، يقول الأستاذ المغربي محمد حجي في هذا السياق :

اختار المغاربة صوفية الأخلاق والسلوك مع الإمام الجنيـد ، كما اختاروا عقيـدة الأشعري في التوحيد ، ومذهب الإمام مالك في التشريـع . وهذا الاختيار نفسه أحـد مميزات التصوف المغربي ، إذ لم ينغمس المتصوفة المغاربة في مباحث الحقائق والفناء المعقدة وشطحات وحدة الوجود عدا طائفة قليلة جدا . بل تكاد تكون هذه الثلاثية خصوصية مغربية ، تميز بها تاريخ الإسلام في المغرب كما وضحه عبد الواحد بن عاشر بن سعد الأنصاري الفاسي في منظومته الموسومـة بالمرشد المعين على الضروري من علوم الدين، المعروفة بمتن ابن عاشر التي يقول في مقدمتها:

(وبعدُ) فالعون من الله المجيد ** في نظم أبيات للأمي تفيد

في عقد الأشعري وفقه مالك ** وفي طريقة الجنيد السالك

و لنبدأ من طريقة الجنيد السالك .

  1. الوراثة الصوفية:

ويمكن تلمس مظاهر هذه الوراثة بوضوح في :

أولا: سنده الصوفي الدرقاوي الشاذلي الحبيبي الذي تمثله سلسلة وراثته الصوفية ، والتي يشكل الشيوخ المغاربة أبرز أقطابها، نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: الشيخ عبد السلام بن مشيش ، أبو الحسن الشاذلي ، مولاي علي الجمل العمراني ومولاي العربي الدرقاوي و سيدي محمد بن الحبيب الدرقاوي ، ويعرف هذا السند بسند الأقطاب ، لأن جميع الشيوخ الذين يتوارثون سر هذه الطريق لا يكونون إلا من كبار العارفين ، لذلك كان الشيخ أبو العباس المرسي يقول:” طريقتنا قطب عن قطب إلى النبي(صلى الله عليه وسلم)”.و السلسلة الصحيحة –كما هو معلوم- شرط من شروط التصوف ، إذ يقول الشيخ عبد الحليم محمود (الإمام الأكبر السابق لجامع الأزهر):”إن من شروط التصوف : الانتساب إلى سلسلةصحيحة ، إذ أن البركة التي تحصل من الانتساب إلى السلسلة الصحيحة هي الشرط الأساسي الذي لا يصل الإنسان بدونه إلى أي درجة من درجات التصوف حتى البدائية منها، وسلسلة الشيخ عبد القادر هي امتداد لسلسلة الأقطاب هاته.

السلسلة:

Silsilah

ثانيا: تبرز هذه الوراثة من خلال حفاظ الشيخ عبد القـادر الصوفي على نفس الأوراد والأذكار التي أخذهـا من سلفـه الشيخ محمد بن الحبيـب الدرقاوي ، بالإضافة إلى طبيعة الحضرة والمصافحة، وطريقة التربية السلوكية التي تكاد تحافظ على خصوصيتها الدرقاوية المغربية .

ولتوصيل هذه القيم الصوفية الأصيلة عمل الشيخ عبد القـادر الصوفي على تشجيع أتباعه ومريديه على الاحتكاك بالنصوص الصوفية المغربية التي تملك رسالة توجيهية تربويـة ، نذكر منها على سبيل المثال : رسائل الشيخ العربـي الدرقاوي ، ورسائل الشيخ علي الجمل العمراني ، ومجموعة من القصـائد الدرقاويـة التوجيهية، وتفسير صلاة كنز الحقائق للشيخ محمد بن الحبيب الدرقاوي . بالإضافة إلى مجموعة أخرى من الأعمال والكتابات الصوفية المغربية التي عملت الزاويـة الحبيبيـة الدرقاوية الغربية على ترجمتها ونشرها بلغات مختلفة قصد تمكين المريدين الغربيين للزاوية الحبيبية الناطقين بمختلف اللغات الأوربية لاسيما الإنجليزية و الإسبانية من التعرف إلى الفكر الصوفـي والتمكن من خصوصياته .

ثالثا: -الإهتمام بالسيرة النبوية لاسيما بكتاب الشفا للقاضي عياض:

من عناصر الفكر الصوفي الذي لازم المغاربة في سلوكهم الصوفي و الذي ورثه الشيخ عبد القادر الصوفي من المنظومة الصوفية المغربية نجد عنصر الاهتمام بالسيرة النبوية لاسيما بكتاب الشفا للقاضي عياض، حيث يتميز الصوفية عموما بتمجيدهم لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) في تعاليمهم الصوفية، لكن المحبة المطلقة في رسول الله (صلى الله عليه وسلم) تكاد تكون ظاهرة مغربية محضة ، إذ يشترك فيها العوام والخواص، لذلك فلا غرو أن نجد صوفية المغرب يُدَرِّسون أدبيات السيرة النبوية في زواياهم لغرس محبة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في أفئدة أتباعهم ، ولعل أهم مؤلف يعتمدونه في هذا المجال هو كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى للعلامة المغربي القاضي عياض. وكتاب الشفا من أكثر كتب السيرة النبوية التي أولاها صوفية المغرب اهتماما بالغا، لأنها تحكي حياة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وسيرته بأسلوب يطفح بالمحبة والشوق والتعلق بالذات النبوية ، وفيه توثيق للمعجزات التي كانت تحدث لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) مع أصحابه ، وفيه أيضا إشارات تربوية هامة يستفيد منها المريد ويتأدب بها في علاقته بشيخه و بالحضرتين المحمدية و الأحدية . ومن هذا المنطلق، دأب صوفية المغرب على الاحتفاء بختم كتاب الشفا للقاضي عياض على الأقل مرتين في السنة تبرمجان مع الاحتفال بليلة القـدر وبالمولد النبــوي الشريف. ومحاولــة الطريقة الحبيبية الغربية الحفاظ على هذا الإرث الحميـد، اقتـداء بصوفيـة المغرب، إنمـا ترجــع لخصوصية هذا الكتاب التي أوضحها عبد القادر الصوفي في قوله :يوفر الشفا للقاضي عياض بعدًا داخليا جوهريا لمحبة الرسول(صلى الله عليه وسلم) ، ولكل ما هو ضروري لاستكمال إعادة تطبيق الحكم الإسلامي .

لكن الشيخ عبد القادر الصوفي لم يكن مجرد ناقل أو مقلد في هذا الشأن ، بل أبرز طابعه التجديدي من خلال وضع هذه المحبة في سياق مشروعه الإصلاحي التجديدي الذي يروم به إعادة أمجاد أمة الإسلام من خلال محبة الرسول (صلى الله عليه وسلم) التي تشكل وفـق اعتقاد الشيخ عبد القادر الصوفي العنصر الثالـث المساعـــد على تطبيـق الشريعـة وتأسيس بنية السلطة الإسلامية ، مصداقا لقوله عليه السلام“: “والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكـم حتى أكون أحب إليه من نفسه وأهله وماله والناس أجمعين ، يقول عبد القادر الصوفي : ” إن الوسيلة إلى هذه الرأفة والرحمة هي محبة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ولتحقيق هذا قمنا باختيار كتاب للسيرة ، رغم كثرة التآليف حول أدب السيرة ، وقد اخترنا كتابا قديما يعود إلى ألف سنة مضت ، كتابا لا وهم فيه ولا خرافة ولا مبالغة في سرد السيرة ولا تأملات ميتافيزيقية ، ولكن يحكي ببساطة القصة الرائعة لحياة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)… لهذا اخترنا كتاب الشفا للقاضي عياض ككتاب ثالث لهذه التربية الإسلامية الأصلية . بعد القرآن الكريم بتفسير الجلالين وبعد موطأ مالك .

رابعا : الصيغة المغربية في السماع والأمداح:

من باب وراثة الشيخ عبد القادر الصوفي للتصوف المغربي تبنيه للصيغة المغربية في السماع والأمداح ، حيث يحضر السماع المغربي في الزاوية الحبيبية الدرقاوية الغربية بشكل رئيس ، بل هـو محور كل أنواع السماع والأناشيد الدينية التي يوظفها الشيخ عبد القادر الصوفي أسلوباً للتربية اقتداء بشيوخه المغاربة ، ومن أبرز مكونات هذا السماع التغني بقصائد الشيـخ محمد بن الحبيب التي وردت في ديوانه بغية المريدين السائريـن وتحفـة العارفيـن السالكين ، يقول عبد القادر الصوفي في هذا السيـاق : ” عنصر جـديد تم إدخاله إلى الممارسة الصوفية بفضل ديوان محمد بن الحبيب ، من قبل كانت قصائد الديوان تغنى فقط في مجالس السماع . اليوم ، صارت هذه القصائد شعيرة حبيبية درقاوية لا تمارس في مجالس السماع فقط وإنما تنشد في جميع لقاءاتهم ولو لتناول كأس شاي فقط ؛ لقـد أصبح ديوان محمد بن الحبيب معروفا ومحبوبا ..حيث يغنى من طرف الصـوفية فـي مختلف أنحاء العالم ، سمعناه ينشد في مكة وفي اندونيسيا وفي أمريكا الغربية كما فـي أنجلترا

وبالإضافة إلى ديوان محمد بن الحبيب يحضر الدعاء الناصري للشيخ المغربـي محمد بن ناصر الدرعي كمكون أساسي للسماع الصوفي بالزاوية الحبيبية الدرقاوية لعبد القادر الصوفي الذي أمر أتباعه بترجمة هذا الدعاء إلى اللغة الإنجليزيـة . وقد تمـت ترجمته من طرف الباحثة المسلمة عائشة بيولي (المسؤولة عن دار نشر الزاوية الحبيبية المدينة بريس)، تقول في تقديمها لكتاب الدعاء الناصري: ” طبع هذا الكتاب بلغة مزدوجة : عربية/أنجليزية بناء على رغبة الشيخ عبد القادر الصوفي الذي يحث على إحياء القراءة الجماعية لهذا الدعاء وسط الأمة الإسلامية للتغلب على أعداء الدين .

تأخذ قصيدة البردة للإمام شرف الدين البوصيري المغربي الأصل حيزا هاما أيضا في جلسـات السماع الصوفي للزاوية الحبيبية بابريطانيا كما في غيرها من الدول الغربية، تقـول الباحثة مارسيا هيرمانسن:” من ضمن الممارسات الشعائرية لهذه الحركة نجد الذكر ، تلاوة القرآن و ترديد ورد الطريقة الدرقاوية المنقولة عن الشيخ محمد بن الحبيـب ، بالإضافة إلى قصيدة البردة التي تنشد في حشود كبيرة . حيث تنشد هذه القصيدة بصيغة الإلقاء المغربية ؛ فبمجرد فتح الموقع الإلكتروني الرسمي للشيخ عبد القـادر الصوفي تصل سماعك أصوات غربية تنشد قصيدة البردة ولكن بصيغة مغربية واضحة حتى يُخَيَّل إليك أنك في موقع لإحدى الزوايا المغربية .

2- باب الفقه :

من أبرز مظاهر وراثة الشيخ عبد القادر الصوفي للمنظومة الدينية التي تميز بها المغرب ، هي اعتماده المذهب المالكي في الفقه وان كان المذهب المالكي ينتشر في أماكن متفرقة من العالم إلا أن المغاربة من أكثر الأمم المتمسكين به في تاريخهم إذ عرفوه في عهد الدولة الإدريسية ليترسخ بعد ذلك مذهباً للدولة في عهد المرابطين ثم في عهود الدول الموالية لها، ولـم يشذ عن القاعدة سوى الدولة الموحدية ولفترة زمنيـة محدودة بفعل توجهـها العقـدي المختلف، وقد أنجب المغرب العديد من جهابذة الفقـه المالكي الذين اشتهـروا شرقـا وغربا، حيث كان جامع القرويين منبرا لتدارس هذا الفقه ومتونه؛ فقبل ظهور مختصر الشيخ خليل (ت776هـ) كانت مدونة سحنون ونوادر ابن أبي زيد القيرواني (ت386هـ) وكتاب التهذيب للبرادعي(ت373هـ) وكتاب ابن يونس (ت451هـ) وواضحة ابن حبيب(ت238هـ) أبرز الكتب المتداولة في رحاب القرويين والمدارس الملحقة بها، لكن بعد ظهور المختصر وإعجاب المغاربة به تفنن الفقهاء فـي شرحه والتحشية عليه وأضحى المعول في الدراسات الفقهية يدور حول تلك الشـروح والحواشي ولا يزال الاهتمام بالفقه المالكي سائدا في جامع القرويين كما في غيرها مـن المؤسسات الدينية المغربية. وقد كان الشيخ محمد بن الحبيب الدرقاوي شيخ عبد القادر الصوفي السكوتلاندي (ايان دالاس) عالما بالفقه المالكي إذ كان يدرس بمسجد قصبـة النوار بفاس المرشد المعين ومختصر خليل وموطأ الإمام مالك ، كما درّس رسالة أبي زيد القيرواني في مسجد الزيتونة بمكناس الشيء الذي كان له الأثر البالغ في تلميـذه السكوتلاندي أيان دالاس الذي تشرَّب الفقه المالكي مع التصـوف الدرقاوي الحبيبـي الجنيدي ومع العقيدة الأشعرية ، وذلك عملاً بالمنظومة المغربية في التدين الموسومـة بالمرشد المعين على الضروري من علوم الدين، المعروفة بمتن ابن عاشر التي يقول في مقدمتها:

(وبعدُ) فالعون من الله المجيد ** في نظم أبيات للأمي تفيد

في عقد الأشعري وفقه مالك ** وفي طريقة الجنيد السالك

هكذا ، دخل الشيخ عبد القادر الصوفي المرابط الإسلام في المغرب؛ فكانت أول معرفة تلقائية له بالفقه الإسلامي بواسطة المذهب المالكي، يعبر عبد القـادر الصوفي عن هذا الاختيار في كتابه Root Islamic education” أصول التربية الإسلامية الذي يقول فيه :

بالنسبة للنموذج الذي سنعتمده في السياسة والشريعة هو الكتاب المتعلق بالحديـث، الأصول وأعمال المدينة وهو موطأ الإمام مالك الذي قال عنه الإمام الشافعي :[ إذا كان هناك أي كتاب أحلف به بعد كتاب الله ؛ فسيكون موطأ الإمام مالك ]، موطأ الإمام مالك هو الكتاب الثاني في التربية الإسلامية الأصلية بعد كتاب الله القرآن الكريم.

لكن عبد القادر الصوفي أيضا في هذا الاختيار لم يكتف فقط بتقليد شيوخه المغاربة الذين كانوا يعتمدون المذهب المالكي ، بل بحث في الأسباب التي دفعتهم إلى اختيار هذه المدرسة من الفقه ، ومن ثمة إعادة اكتشافه بمنظور جديد و مختلف ، يقول عنه الحاج عبد الحق بيولي(أحد أبرز أتباعه) في مقال لـه بالأنجليزية تحت عنوان: “The Recovery of True Islamic Fiqh: An introduction to the work of Shaykh Abdalqadir as-Sufi”استرداد الفقه الإسلامي الصحيح: مدخل إلى عمل الشيخ عبـد القادر الصوفي“:

من ثمة ؛ فإعادة اكتشافه (أي عبد القادر الصوفي) لإمام مالك لم تكن باعتباره مؤسس المذهب الذي تسمى بعده باسمه بل باعتباره إمام دار الهجرة، المدينة المنورة ، والمسجل والناقل لعمل أهل المدينة . رأى الإمام مالك أن من واجبه أن يدون للأجيال القادمة التراث الإسلامي الحي المتمثل في العمل بالكتاب والسنة في شكلها الأصلي النقي الذي وصل إليه دون تغيير خلال مدة جيلين التي انقضت منذ وفاة النبي (صلى الله عليه وسلم)”.

صحة وصفاء مذهب مالك ومرجعيته المرتكزة على عمل أهل المدينـة ترجـع بحسب عبد القادر الصوفي إلى سببين رئيسيـن :الأول هو أنه كان يمثل بوضوح الصيغة الأكثر قرباً للإسلام كما عاشه النبي(صلى الله عليه وسلم) وصحابته ، و تشكل دون شك البث المتواتر غير المنقطع للكتـاب والسنة النبـوية فـي المكان نفسه الذي أسست فيه ، محفوظة ومصانة من الطرف الجيلين الذين عاشوا هناك بين الأيام الأولى للمجتمع الإسلامي وزمان الإمام مالك .

وعليه ، يكون ما جلبه لنا الإمام مالك من الصدر الإسلامي الأول ومن زمـن الرسول (صلى الله عليه وسلم) نفسه هو تلك الطاقة الحيوية الخام حيث كان الدين في مرحلة التأسيـس و الامتداد القوي.

السبب الثاني هو صحته غير القابلة للجدل التي تأكدت مرارا عبر توالي القرون ، وليس أدل على ذلك مما قاله العالم الحنبلي الشهير ابن تيمية، الذي ألف كتابا يوضح فيه أن الصورة الأكثـر كمالا للسنة النبوية ، سواء من حيث روحها أو ممارستها الفعلية ، هي التي جاء بهـا الإمام مالك ، وقيدها في كتابه الموطأ. والسبب في ذلك يرجع إلى موسوعية معرفـة الرجل ، والى تواجده الجغرافي في مدينة النبي (صلى الله عليه وسلم) حيث كان يقيم عدد كبير من رجال المعرفة الذين ظلوا هناك متمسكين بالحفاظ على الدين في أصالته كما كان في زمن النبي (صلى الله عليه وسلم)، والواقع أنه ، وكما هو معروف ، لم يلحق بالدين أي بدعة أو مستحدثـة علـى الإطلاق في المدينة المنورة خلال الأجيال الثلاثة الأولى للإسـلام.

هذا الديـن الخالص استفرد به المغاربة عن نظرائهم في الشرق ، وذلك بسبب انتقال المذهـب المالكي الإسلامي الخالص نحو المغرب، كما يقول عبد القادر الصوفي : “ذهبت التعاليم الإسلامية الأصيلة غربا نحو شمال إفريقيا ، وهذا جد مهم . وأقصد بالتعاليـم الجوهـر الأساسي للإسلام ؛ فالإسلام الذي نتحدث عنه لم يذهب شرقا إلى نيسابور ولم يذهب غربا إلى العراق ، لقد ذهب غربا إلى إفريقيا وهذه حقيقة تاريخية طمست من طـرف بنيـة السلطة التي تلتها.

باب العقيدة الأشعرية :

أيضا، من عناصر وراثة الشيخ عبد القادر الصوفي لمنظومة التدين في المغرب التزامه العقيدة الأشعرية اقتداء كذلك بالمغاربة ، لاسيما بشيوخ التصوف الذين كانوا يحرصون على الجمع بيـن السلوك الصوفي والمذهب المالكي في الفقه والأشعري في العقيدة ، وذلك لتقارب الآراء بين المذهبين ؛ فدخول المذهب المالكي إلى المغرب كان له أثر قوي في دعم عقيدة أهل السنة. إذ كان للإمام مالك موقف كلامي عقدي ديني، خالف به أقوال المذاهب المنحرفة، وكان من الأسس التي بنى عليها الأشاعرة مذهبهم. ولذلك آزر المالكية المذهب الأشعري وانتموا إليه، فكان هو مذهبهم العقدي إلى جانب فقه مالك وتصوف الجنيد، وهكذا ارتبط العقدي بالفقهي والصوفي في تفكير المغاربة .

ترجع أسباب تبني المغاربة لعقيدة الأشعرية إلى :

1- اتصال المغاربة المالكيين بنظرائهم الأشاعرة في المشرق ؛ فقد كان مجموعة من كبار المفكرين بالأندلس والمغرب، وتونس يتجهون في بداية حياتهم العلمية إلى المشرق فيتلقون دراستهم الفقهية والعقدية على كبار الأشاعرة هناك، وعند عودتهم إلى بلدانهم يعودون مقتنعين أشد ما يكون الاقتناع بهذا المذهب وبضرورة نشره وتعميمه بين الناس.

2-اعتقاد المغاربة بأن العقيدة الأشعرية، هي الفرقة الناجية الواردة في حديث النبوي المعروف ، بالإضافة إلى اعتبارات أخرى منها: أن العقيدة الأشعرية تتميز بالوسطية والشمولية ، وهما معاً يشكلان أهم خصائصها: إن العقيدة الأشعرية تتميـز بشموليتهـا ووسطيتها وتوفيقيتها.. وقد أقر العلماء بالمجهود الكبير الذي قام به أبو الحسن الأشعري، في إعادة أسس العقيدة السنية السلفية إلى أصلها الصحيح، وقواعدها الإيمانية السليمة، ثم قرروا جميعا أن العقيدة الأشعرية، هي نفسها عقيدة أهل السنة والجماعةواستمر الأمـر على ذلك إلى يومنا هذا. أي أن الفكر الأشعري في الغرب الإسلامـي عموما، وفـي المغرب الأقصى خصوصا، هو طبـق الأصـل لصاحب المذهـب وهو أبو الحسـن الأشعري.. الأمر الذي يفيد من جهة أخرى أن أشعرية المغاربة لم تتأثر بالاتجاهـات الأشعرية في المشرق، مثل الاتجاه الجويني والباقلاني بل هي أشعرية اعتدالية سنية سلفية محافظة خلافا لما يلاحظ في بعض الأقطار.

هكذا يأتي اختيار الشيخ عبد القادر الصوفي للعقيدة الأشعرية خاصة ، نظراً للاتجاه الغزالي في علم الكلام بحكم أن :” موقف الإمام الغزالي أصبح عاملا مهيمنـا، ليس فقط بفعل علاقته بالظاهرة الصوفية ، ولكن للدور الذي لعبه الإمام الغزالي في علم الكلام ، أو بالأحرى كيفية الكلام عن الله سبحانه وتعالى ، وهو ما يعرف اليوم بعقيـدة الأشعري، وهو كلام الأشعري حول الله سبحانه وتعالى فيما يخص الصفـات الضرورية ( الصفات الأم ، أفعال الله ، صفات الله وذات الله ، وغيرها..) والتي أصبحت فيما بعد الصيغة الأكثر شعبية إلى عصر ابن عاشر والتي قسمت الدين إلى : كلام الأشعري ، فقه مالك وتصوف الإمام الجنيد كما هو معروف في منظومته الشهيــرة .

خاتمة:

هكذا نخلص إلى أن الشيخ عبد القادر الصوفي في وراثته للتصوف المغربي، سلوكا و فقها وعقيدة، لم يكتف بجانبه التقليدي التبركي بل تعداه إلى البحث في المنطق والأسباب التي دفعت شيوخه المغاربة الملهمين إلى اعتناق ثلاثية السلوك والفقه والعقيدة كأصل ديني واحد وموحد لا يقبل التجزيء و لا الانفصال . ومن ثمة، فهو قد ساهم ولا يزال في تجديد الفكر الديني في العالم الإسلامي بخلق مجال جديد من الاجتهاد سيكون له حتما تأثير ما على واقع ومستقبل الإسلام في العالم بأسره.

و أخيرا، لا أجد ما أختم به كلامي ، في هذا اللقاء المبارك، سوى أن أذكركم ببشارة تخص جماعتكم ، وتخص مجلسكم هذا ، و هي تلك التي تلقاها الشيخ محمد بن الحبيب من حضرة النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وسلم) حيث قال: “جاءني رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في بشارة وقال لي: اعلم يا ولدي أن الله يكرمك بمياه عذبة حلوةقلت: يا رسول الله: هذه المياه هي مياه الإسلام والإيمان والإحسان؟ قال لي(صلى الله عليه وسلم):”هي“, قلت يا رسول الله: هذه المياه أشربها وحدي أو أنا وكل من اقتدى بي, فقال: تشربها أنت وكل من اقتدى بك من أمتي“. يعلق الشيخ محمد بن الحبيب قائلا : “وقد حقق الله لنا ما وعدنا به (صلى الله عليه وسلم)، فوالله لقد شربنا هذه المياه وكل من صحبنا بالصدق يشربها في أقرب زمن فاحمدوا الله سادتي الفقراء واشكروه على ما أكرمكم به مولاكم في وقتكم. انتهى كلام سيدي محمد بن الحبيب ، و الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد و على آله وصحبه أجمعين.

و السلام عليك ورحمة الله وبركاته.

عزيز الكبيطي إدريسي

غرناطة في:9 يوليوز 2009م

- ‘The Collected Works’ by Ian Dallas

– From “The new Murabitun” by Umar Ibrahim Vadillo, Yildiz Productions, 1999

– Abdul Wahab el-Affendi , « A False Dawn » in Inquiry Magazine (January 1998) : p.54

- - عبد الحليم محمود ، القطب الشهيد سيدي عبد السلام بن بشيش، منشورات المكتبة العصرية ، بيروت ، لبنان، ص:23

- (المفاخر العلية في المآثر الشاذلية 24)

ابن عطاء الله السكندري، لطائف المنن في مناقب الشيخ أبو العباس المرسي و شيخه الشاذلي أبو الحسن، مكتبة عالم الفكر، ط.2(1413هـ\1992-1993) ص: 96

علي الجمل العمراني ، نصيحة المريد في طريق أهل السلوك والتجريد، تحقيق: عاصم ابراهيم الكيالي، منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية ، بيروت،ط.1 (2005) ، ص:306

أبو عبد الله محمد العربي الدرقاوي ، رسائل في الأدب و السلوك ، المطبعة والوراقة الوطنية ، ط,1 (2001)، ص:6-7

- Abdalqadir as-Sufi , The Diwan of Shaykh Ibn al-Habib , (Op.Cit) , preface.

- Ibid , preface .

Abdalqadir as-Sufi , The Diwan of Shaykh Ibn al-Habib , (Op.Cit ) , preface.

-‘Ali al-Jamal al-‘Amrani , The Meaning of Man : The Foundations of the Science of Knowledge , (Op.Cit) ,p.3 (from introduction of Abdalqadir as-Sufi)

Abdalqadir as-Sufi , The Diwan of Shaykh Ibn al-Habib , Madinah Press (2001)

Ibid ,

- أبو عبد الله محمد بن علي الخروبي ، الدرة الشريفة في الكلام على أصول الحقيقة، مخطوط بالخزانة الملكية بالرباط ، رقم:2829

علي الجمل العمراني ، نصيحة المريد في طريق أهل السلوك والتجريد، تحقيق: عاصم ابراهيم الكيالي، منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية ، بيروت،ط.1 (2005) ، ص: 74

- (رواه أبو يعلى كما في مجمع الزوائد (10/266)).

– From “The new Murabitun” by Umar Ibrahim Vadillo, Yildiz Productions, 1999

Abdalqadir as-Sufi , The Diwan of Shaykh Ibn al-Habib , Madinah Press (2001)

- القرآن الكريم ، [ سورة البقرة: 106 ]

- القرآن الكريم،[سورة الكهف: 109 ]

191- محمد حجي المغاربة اختاروا تصوف الأخلاق والسلوكجريدة الإشارة ، السنة:2 ، العدد:16 ، محرم 1422هـ/أبريل 2001 ، ص:4

23- عبد الواحد بن عاشر: (990 – 1040هـ) (1582 – 1631 م) عبد الواحد بن أحمد بن علي بن عاشر بن سعد الانصاري، الاندلسي، الفاسي، المالكي (أبو محمد).عالم مشارك في القراءات والنحو والتفسير وعلم الكلام والفقه وأصوله وغيرها.نشأ بفاس، وتوفي بها في 3 ذي الحجة. من تصانيفه: المرشد المعين على الضروري من علوم الدين، الكافي في القراءات، فتح المنان المروي بمورد الظمآن في رسم القرآن. شرح على مختصر خليل في فروع الفقه المالكي، والإعلان بتكميل مورد الظمآن في رسم الباقي من قراءات الائمة السبعة الاعيان .

عمر رضا كحالة ، معجم المؤلفين ، مؤسسة الرسالة ،الجزء:6 ص:205

-أحمد السنوسي،الفيوضات الربانية في إجازة الطريقة السنوسية الأحمدية الإدريسية، استانبول، مطبعة عامره (1339-1342)، ص:14

- أحمد السنوسي،الفيوضات الربانية في إجازة الطريقة السنوسية الأحمدية الإدريسية، استانبول، مطبعة عامره (1339-1342)،ص:14

- عبد الحليم محمود ، القطب الشهيد سيدي عبد السلام بن بشيش، منشورات المكتبة العصرية ، بيروت ، لبنان، ص:32

- للمزيد من التفاصيل يرجى الرجوع إلى كتاب : عزيز الكبيطي إدريسي ، التصوف الإسلامي في الغرب: الأثر الصوفي المغربي في بريطانيا،الزاوية الحبيبية الدرقاوية نموذجا، ط.1 ، مطبعة أميمة (2008)،فاس، ص: (105-156).

– Abdalhaqq Bewley, “The Recovery of True Islamic Fiqh: An introduction to the work of Shaykh Abdalqadir as-Sufi” , http://ourworld.compuserve.com/homepages/ABewley/saq.html

صحيح البخاري 1/10 ( 15 ) ، وصحيح مسلم 1/49 ( 44 ) ( 69 ) و( 70 ) عن أنس ابن مالك. 

- Abdal Qadir As-Sufi , Root Islamic education , Ch. 1. On line at http://bewley.virtualave.net Viewed July 2007

– ‘Abdalqadir As-Sufi , “Preface to the Diwan of Shaykh Ibn al-Habib” , The Diwan of Shaykh Ibn al-Habib , Madinah Press (Op.Cit)

– http://www.angelfire.com/ab2/bookwork/index.htmlالموقع الإلكتروني لإصدارات عائشة بيولي ولأتباع الزاوية الحبيبية :

– Marcia Hermansen , “The ‘other’ Shadhilis of the West” in The Shadhiliyya, (Op.Cit) , p:486

- عبد الواحد بن عاشر: (990 – 1040هـ) (1582 – 1631 م) عبد الواحد بن أحمد بن علي بن عاشر بن سعد الانصاري، الاندلسي، الفاسي، المالكي (أبو محمد).عالم مشارك في القراءات والنحو والتفسير وعلم الكلام والفقه وأصوله وغيرها.نشأ بفاس، وتوفي بها في 3 ذي الحجة. من تصانيفه: المرشد المعين على الضروري من علوم الدين، الكافي في القراءات، فتح المنان المروي بمورد الظمآن في رسم القرآن. شرح على مختصر خليل في فروع الفقه المالكي، والإعلان بتكميل مورد الظمآن في رسم الباقي من قراءات الائمة السبعة الاعيان . عمر رضا كحالة ، معجم المؤلفين ، مؤسسة الرسالة ،الجزء:6 ص:205

- Abdalhaqq Bewley, “The Recovery of True Islamic Fiqh: An introduction to the work of Shaykh Abdalqadir as-Sufi”(Op.Cit) .

- Abdal Qadir As-Sufi , “Root Islamic education” Ch. 1. On line at http://bewley.virtualave.net Viewed July 2007 .

- Abdalhaqq Bewley, “The Recovery of True Islamic Fiqh: An introduction to the work of Shaykh Abdalqadir as-Sufi” (Op.Cit ) .

– Abdalhaqq Bewley, “The Recovery of True Islamic Fiqh: An introduction to the work of Shaykh Abdalqadir as-Sufi” , (Op.Cit) .

- Abdal Qadir As-Sufi , Root Islamic education , Summary -Part One – , On line at http://bewley.virtualave.net Viewed July 2007

221-افترقت بنو إسرائيل على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين، فرقة ناجية، واثنتين وسبعين في النارأخرجه الدارمي وابن ماجة في سننهما. وذكر أهل الحديث أن أسانيد هذا الحديث تتراوح بين الصحة والحسن والضعف .

222- ينظر مقال : “لماذا اعتنق المغاربة العقيدة الأشعرية؟بموقع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية :

http://www.islam-maroc.gov.ma/ar/detail.aspx?id=1619&z=14&s=1

- Abdal Qadir As-Sufi , Root Islamic education , Summary -Part One: ‘Amal , On line at : http://bewley.virtualave.net Viewed July 2007

عبد الكبير البلغيتي ، اتحاف اللبيب بترجمة سيدي محد بن الحبيب ، ضمن ديوان بغية المريدين السائرين و تحفة السالكين العارفين للشيخ محمد بن الحبيب ، دار الرشاد الحديثة ، الدارالبضاء،ط.1 سنة:2007 ، ص:137

7 Responses »

  1. Will ‘Aziz Kubaiti al-Idrissi´s work be translated to english perhaps?

  2. Asalam mualeikum Saidi Shej Abdelkader,

    Te envio un saludo y un abrazo muy fuerte y que sepas que estan en mi mente y mi corazon y el contacto que ha dejado Maulana Sidi Mohamed Wasani entre usted y yo nunca se olvida y en cualquier sitio o reunion de diker simpre te nombro por el trabajo tan maravilloso que haces.
    Wa salam mualeikum wa rahmatu Allah.

  3. Beautiful article! My father is a student of this Shaykh.
    Ali
    http://www.MuslimClothing.com
    http://www.HalalBid.com

  4. It is a very precise article. It must be translated to english for our western brothers who don’t know Arabic.

    I know also the author of this article who is a qualified researcher in : “Islamic Sufism in the West”.

    Good luck for him and for you.

  5. Alhamdulillah, the toolbar just translated this to English.

  6. Please elaborate for others who are less technically proficient :) . Otherwise, rumours here in Norwich insist that at least one person is essaying a translation.

  7. Excellent research reflects the value of the researcher and the importance of the matter, especially that our world needs it to spirituality in a society dominated by material far from God, I wish the researcher Aziz more success

Leave a Reply