جهود مسلمي الغرب في التعريف بموطأ مالك ومذهبه : الشيخ البريطاني المسلم عبد القادر الصوفي (أيان نيل دالاس) نموذجا – الباحث : عزيز الكبيطي ادريسي

By Another Muslim of Norwich

Mar 24th, 2009

مقدمـــة:

يعمل المسلمون الغربيون أسوة بنظرائهم في الشرق على التعريف بموطأ الإمام مالك باعتباره منهجا للتشريع قابلا للتأقلم والتكيف مع الحياة الإسلامية في جميع مناطق العالم بما فيها الغرب . بل من هؤلاء الغربيين من يبني مشروعه الإصلاحي الشمولي على موطأ مالك ومذهب عمل أهل المدينة، ولعل من أبرز هؤلاء ، والذي سيكون نموذجا لهذه المداخلة، هو العالم البريطاني الأصل ، أيان نيل دالاس، الذي اعتنق الإسلام على يد إمام مسجد القرويين في فاس سنة:1963م ، والذي أخذ النسبة الصوفية الدرقاوية من الشيخ المغربي محمد بن الحبيب الدرقاوي المغربي المكناسي ، ليصبح بعد وفاة هذا الأخير شيخا للزاوية الحبيبية الدرقاوية في الغرب (أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية) . وقد وقع اختياري على الشيخ البريطاني المسلم عبد القادر الصوفي المرابط كنموذج لدراسة جهود مسلمي الغرب في التعريف بموطأ مالك ومذهبه وذلك :

 

1- كون الشيخ عبد القادر الصوفي يمثل حالة غربية فريدة ؛ فهو مسلم ابريطاني ينتمي إلى النخبة الغربية المثقفة ؛ فبالإضافة إلى شهرته بداية كمثل سينمائي ومسرحي فقد عُرف كأديب ألمعي له إسهامات عديدة في القصة والمسرح والشعر ، وقد صدرت له سنة :2005م “مجموعة الأعمال الأدبية” التي تتكون من ثلاث مسرحيات وأربع قطع نثرية،

(Ian Dallas , Collected Works , Budgate Press, Cape Town, 2005 )

 وكان قد صدر له قبل ذلك “كتاب الغرباء” ، وهو رواية تحكي رحلة البحث الباطني عن معنى الإنسان .

2- لكون الشيخ يتزعم تنظيما صوفيا كبيرا في الغرب ؛ فتنظيمه يضم عددا هائلا من الأتباع في كل أنحاء العالم ، وله امتدادات شاسعة في العالم الغربي ، إذ لا تكاد تخلو دولة أوربية أو ولاية أمريكية من وجود فروع لزاوية هذا الشيخ المغربية الأصل. 

3- لكونه يملك مشروعا إصلاحيا شموليا يعتزم تطبيقه في العالم الغربي ، وتقوم أركان هذا المشروع في أساسها على المذهب المالكي لاسيما كتاب”الموطأ” الذي يحتل المكانة الثانية في مشروعه بعد كتاب الله عز وجل. فمن هو هذا الشيخ؟ وماهو التنظيم الذي يمثله ؟ وما أركان المشروع الإصلاحي الذي جاء به؟ وكيف يسهم هذا المشروع في التعريف بكتاب الموطأ وبمذهب مالك في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية ؟ وما موقع التأثيرات المغربية في تبني هذا الاختيار؟ تلكم مجموعة من التساؤلات ستحاول هذه المداخلة التطرق لها ولو بإيجاز شديد . -

الشيخ عبد القادر الصوفي : 

ولد الشيخ عبد القادر الصوفي / السكوتلاندي ( أيان نيل دالاس) سنة:1931م . 

 كان دالاس في يوم ما رئيس تحرير جريدة :( The International Times ) 

 عمل أيضا ككاتب مسرحي ولعب دور الساحر في فيلم المخرج فيليني الذي كان يحمل عنوان:”الثامنة والنصف”. 

تعرف آيان دالاس على التصوف الإسلامي بفعل أسفاره المتكررة إلى شمال إفريقيا ، حيث اعتنق الإسلام على يد إمام مسجد القرويين في فاس سنة:1963م ، وفي سنة: 1967م أخذ النسبة الصوفية عن طريق الشيخ محمد بن الحبيب الدرقاوي (ولد سنة:1876م) ، بعد ذلك ، عيِّن كمقدم من طرف الشيخ ابن الحبيب لتمثيله في الغرب ولتأسيس زاوية في بلده الأصلي ابريطانيا ، لكن بعد موت شيخ الزاويـة الحبيبيــة سنة:1971م ، سيبدأ آيان دالاس رحلة بحث عن شيخ جديد حيت سيتصل سنة:1976م بالشيخ حمودة الفيتوري ، شيخ العليوية الدرقاوية في ليبيا ، الذي أعلن تعيينه لآيان دالاس كشيخ لفرعَي الدرقاوية الحبيبية والعليوية التي يعتقد أنهما سيتوحدان تحت إمرته

 ( Abdul Wahab el-Affendi , “A False Dawn” in Inquiry Magazine (January 1998) : p.54).

هكذا ، أعلن آيان دالاس(عبد القادر الصوفي) في أنجلترا سنة:1976م نفسه شيخا للزاوية الحبيبية التي بـدأت تستقطب حينـئذ أتباعـا في الغرب أغلبهـم من الشباب البريطانيين والأمريكيين المهتدين إلى الإسلام ليؤسس خلية صوفية في مدينة “نورويج” بابريطانيا . سنة 1973م ،سيهاجر إلى الولايات المتحدة ليفتتح أول رباط له هناك وبالضبط في ولاية بيركلي بكاليفورنيا . اليوم ، تنتشر هذه الرباطات تقريبا في جميع أنحاء الولايات المتحدة( تيكساس، جورجيا ، واشنطن العاصمة ، كاليفورنيا..) وفي جل أرجاء العالم (إنجلترا ، اسبانيا ، ماليزيا ، ألمانيا ، نيجيريا ، أستراليا، سويسرا ، جنوب أفريقيا ، والدانمارك)

( Fatima Harrak , « Le Soufisme Face A La Mondialisation : Cas Des Confréries D’Origine Africaine Aux USA » dans : Confréries Soufis d’Afrique : Nouveaux Rôles , : Nouveaux Enjeux ,2004 , Actes du Colloque International , Organise par l’Institut des Etudes Africaines Rabat,2-4 Octobre 2001, p :191)  .

 وما يزال عبد القادر الصوفي المرابط إلى يومنا هذا يعمل على تقوية حضور زاويته في العالم بأسره ، اذ استطاعت الزاوية الحبيبية الدرقاوية تحت إمرته في الغرب ، تحقيق مجموعة من الإنجازات ، وأهمها إيصال رسالة الإسلام كاملة (بحقيقتها وشريعتها) إلى مناطق نائية عن العالم الإسلامي ، كما هو الحال في المكسيك وأمريكا اللاتينية ، بالإضافة إلى نفضها الغبار عن التراث الروحي للمسلمين في العالم الغربي .

مسار الزاوية الحبيبية الغربية وتحولها إلى حركة المرابطين العالمية: 

1- مسار الزاوية الحبيبية الغربية:

إن المتتبع لمسار الشيخ عبد القادر الصوفي يمكنه أن يستخلص وجود مرحلتيـن متمايزتين في دعوتـه ، الأولى صوفيـة خالصـة والثانية مشوبة بالنشـاط السياسـي والاقتصادي والدعوي ، وقد ميز علي كوز( أستاذ مساعد بكلة الشريعة جامعة: مرمرة باسطنبول تركيا ، حاصل على الدكتوراة من جامعة لندن وعضو في الزاوية الحبيبية الدرقاوية ) بين طورين في تعاليم عبد القادر مبتـدئا بالمرحلة المبكرة للتصوف الباطني التي كان يُفضَل فيها العزلة عن المجتمع وبعد ذلك آثر دخول الطور السياسي النشيط

(Ali Kose , Conversion to Islam: A study of Native British Converts. London: Kegan Paul. (1996) ,p.181).

هذه التحولات –تبدو واضحة – في كتاباته التي تطورت من ” كتاب الغرباء” لآيان دالاس وهي رواية البحث / السعي الباطني ، إلى ” طريق محمد” لعبد القـادر الصوفي ، إلى ” الجهاد..” إلى ” ءاية السيف ” بواسطة عبد القادر المرابط ، إلى الأقرب حداثة ” رسالة إلى مسلم عربي” و ” تقنيات انقلاب البنــك “

(Marcia Hermansen , “The ‘other’ Shadhilis of the West” in The Shadhiliyya, (Op.Cit ) , 488). 

 2- المرابطون وعملية الإصلاح:

المرابطون هي الطور الثاني من تطور الزاوية الحبيبية الدرقاوية ، حيث تبنى الشيخ عبد القادر الصوفي هذا الاسم سنة:1983م تيمنا بالدولة المرابطية المغربية التي عرفت بمناصرتها للإسلام وبتمسكها الشديد بالفقه المالكي وبالجهاد خاصة في بـلاد الأندلس.

هكذا ، تقول مارشا هيرمانسن:

” يستدعي اسم: المرابطين الرباط باعتباره مكانا للانفصال عن الثقافـة “الجاهلـة” المحيطة ، والرباط يعني معقلا على حدود الإسلام ، وفي ذلك إعادة اعتبار لتراث حركة المرابطين المغربية التي حكمت شمال إفريقيا في القرن الحادي عشر حيث كان يُمزج الجهاد مع شدة الورع الديني”

( Marcia Hermansen , “The ‘other’ Shadhilis of the West” in The Shadhiliyya, (Op.Cit ) , p.489 ) .

تضيف معلقة : “أصبحت الحركة الصوفية لعبد القادر الصوفي أكثر تشددا وتعبدا ، متبنية اسم “المرابطين” سنة:1983م حيث سكت عملة ذهبية خاصة بها لمحاولـة تجنب التدنيس المرتبط بالنظام البنكي المبني على الفائدة” (Ibid , p.489)، كما ركزت الحركة على تلقيـن أتباعها تكوينا شرعيا متينا يرتكز بالأساس على المذهب المالكي ، وذلك من خلال تعزيز دراسة موطأ الإمام مالك كقاعدة شرعية واجتماعية مثالية ، مع إبداء تركيز أقل على التصوف الباطني . 

إن دراسة موطأ الإمام مالك أقنعت عبد القادر الصوفي للتشديد على الإصلاح المالي ، والعودة إلى الممارسة الإسلامية الأولى والتي سينبني عليها مشروعه التربوي الإصلاحي .

وصف موجز للمشروع الإسلامي الإصلاحي للزاوية الحبيبية:

يتوخى مشروع عبدالقادر الصوفي تحقيق خلافة إسلامية جديدة تقوم على التطبيق التام للشريعة الإسلامية . وفي نظره ، هذا التطبيق لا يمكن أن يتحقق الا اذا انبنى على ثلاثة أركان أساسية :

1-كتاب الله : يركز مشروع الشيخ عبدالقادر الصوفي على ضرورة اعادة ربط المسلم بكتاب الله في اطار فهم حقيقي وأصيل له الذي لن يتحقق ، في رأيه ، الا بمعرفة اللغة العربية وقواعدها أولا ، ثم بمعرفة المتشابه من الآيات ثانيا ، وبمعرفة أسباب النزول وكل مايرتبط بذلك ثالثا حتى لا ينزلق المسلم في خيالاته فيجنح الى الباطنية أو غيرها فيضل ويُضل ، وهكذا يقترح الشيخ تبني تفسير الجلالين لفهم القرآن الكريم بصيغة صحيحة لكونه أولا تتوفر فيه كل الشروط المذكورة ، ولكونه أيضا يحضى باجماع الأمة الإسلامية

(Abdal Qadir As-Sufi, Root Islamic education , Ch. 1. On line at http://bewley.virtualave.net Viewed July 2007).

2- فقه اسلامي أصيل: من أهم ثوابت المشروع الإسلامي الإصلاحي للشيخ البريطاني المسلم عبدالقادر الصوفي المرابط هو اعتماد فقه اسلامي حقيقي واجرائي يمكن تطبيقه على أرض الواقع وليس مجرد تشريعات مثالية ،طوباوية غير قابلة للتحقيق الا في الدعايات السياسية الواهمة ، وفي هذا السياق أيضا يركز الشيخ عبدالقادر الصوفي على انتهاج مذهب عمل أهل المدينة المتمثل في الفقه المالكي ، على اعتبار أن المدينة هي المكان الأول الذي تحقق فيه تطبيق الشريعة الإسلامية ، وفيها كان ، كما يقول ، “كتاب الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم)” شرعا يُعمل به وليس شعارات مدونة في المتون فقط ، فالحكم الإسلامي لا يمكن أن يقوم من جديد ، حسب مشروع الشيخ، الا من خلال العمل ب”الموطأ” ، يقول : 

” بالنسبة للنموذج الذي سنعتمده في السياسة والشريعة هو الكتاب المتعلق بالحديـث ، الأصول وأعمال المدينة وهو موطأ الإمام مالك الذي قال عنه الإمام الشافعي :[ إذا كان هناك أي كتاب أحلف به بعد كتاب الله ؛ فسيكون موطأ الإمام مالك ]، موطأ الإمام مالك هو الكتاب الثاني في التربية الإسلامية الأصلية بعد كتاب الله القرآن الكريم”

(Abdal Qadir As-Sufi, ‘Root Islamic education’ Ch. 1. On line at http://bewley.virtualave.net Viewed July 2007 .) .

3- محبة الرسول “صلى الله عليه وسلم”: بالإضافة إلى فهم حقيقي لكتاب الله الذي يوفره تفسير الجلالين ، والتشريع الإسلامي الأصيل الذي يقوم عليه الحكم الإسلامي والذي يشكل موطأ مالك دستوره الإجرائي ، يحتاج المسلم إلى قدوة روحية تضمن له السلامة من البدع، تتمثل هذه التزكية الروحية في محبة رسول الله “”صلى الله عليه وسلم ” ، ووفق اعتقاد الشيخ عبدالقادر الصوفي (أيان دالاس) تشكل محبة رسول الله عليه الصلاة والسلام العنصر الثالث في مشروعه المساعد على تطبيق الشريعة وتأسيس بنية السلطة السياسية ، لذلك فكتاب الشفا للقاضي عياض هو الركن الثالث في مشروع الرجل .يقول في هذا السياق:” يوفر الشفا للقاضي عياض بعدًا داخليا جوهريا لمحبة الرسول(“صلى الله عليه وسلم) ، ولكل ما هو ضروري لاستكمال إعادة تطبيق الحكم الإسلامي”

(Abdalhaqq Bewley, ‘The Recovery of True Islamic Fiqh: An introduction to the work of Shaykh Abdalqadir as-Sufi’) 

وللاستدلال على ذلك يقول في مقام آخر: “..ولتحقيق هذا قمنا باختيار كتاب للسيرة ، رغم كثرة التآليف حول أدب السيرة ، فقد اخترنا كتابا قديما يعود إلى ألف سنة مضت ، كتابا لا وهم فيه ولا خرافة ولا مبالغة في سرد السيرة ولا تأملات ميتافيزيقية ، ولكن يحكي ببساطة القصة الرائعة لحياة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)… لهذا اخترنا كتاب الشفا للقاضي عياض ككتاب ثالث لهذه التربية الإسلامية الأصلية . بعد القرآن الكريم بتفسير الجلالين وبعد موطأ مالك “

(Abdal Qadir As-Sufi, Root Islamic education, Ch. 1. On line at http://bewley.virtualave.net Viewed July 2007) .

* الموطأ ومذهب عمل أهل المدينة:

وإذا ما عدنا إلى النقطة الثانية في المشروع الإصلاحي للحركة الصوفية لأيان دالاس، نجد أن هذا الأخير يؤسس لمنطق جديد يبرر به اختياره لموطأ مالك كمنهج يرسمه لأتباعه بل كطريقة لإعادة إصلاح أحوال الأمة الإسلامية ككل ، يقول عنه عبد الحق بيولي(أحد أبرز أتباعه) في مقـال لـه بالإنجليزية تحت عنوان:The Recovery of True Islamic Fiqh: An introduction to the work of Shaykh Abdalqadir as-Sufi ، “استرداد الفقه الإسلامي الصحيح: مدخل إلى عمل الشيخ عبـد القادر الصوفي”:

” من ثمة ؛ فإعادة اكتشافه (أي عبد القادر الصوفي) لإمام مالك لم تكن باعتباره مؤسس المذهب الذي تسمى بعده باسمه بل باعتباره إمام دار الهجرة، المدينة المنورة ، والمسجل والناقل لعمل أهل المدينة . رأى الإمام مالك أن من واجبه أن يدون للأجيال القادمة التراث الإسلامي الحي المتمثل في العمل بالكتاب والسنة في شكلها الأصلي النقي الذي وصل إليه دون تغيير خلال مدة جيلين التي انقضت منذ وفاة النبي (صلى الله عليه وسلم)”

(Abdalhaqq Bewley, ‘The Recovery of True Islamic Fiqh: An introduction to the work of Shaykh Abdalqadir as-Sufi’ (Op.Cit ) .). 

صحة وصفاء مذهب مالك ومرجعيته المرتكزة على عمل أهل المدينـة ترجـع بحسب عبد القادر الصوفي إلى سببين رئيسيـن: :
” الأول هو أنه كان يمثل بوضوح الصيغة الأكثر قرباً للإسلام كما عاشه النبي(صلى الله عليه وسلم) وصحابته ، و تشكل دون شك البث المتواتر غير المنقطع للكتـاب والسنة النبـوية فـي المكان نفسه الذي أسست فيه ، محفوظة ومصانة من الطرف الجيلين الذين عاشا هناك بين الأيام الأولى للمجتمع الإسلامي وزمان الإمام مالك . وعليه ، يكون ما جلبه لنا الإمام مالك من الصدر الإسلامي الأول ومن زمـن الرسول (صلى الله عليه وسلم) نفسه هو تلك الطاقة الحيوية الخام حيث كان الدين في مرحلة التأسيـس والامتداد القوي ، لهذا السبب يطلق عليه أحيانا مذهب عمر”رضي الله عنـه”. .
السبب الثاني هو صحته غير القابلة للجدل التي تأكدت مرارا عبر توالي القرون ، وليس أدل على ذلك مما قاله العالم الحنبلي الشهير ابن تيمية ، الذي ألف كتابا تحـت اسم:سلامة المنطلقات الأساسية لمذهب أهل المدينة، ويوضح فيه أن الصورة الأكثـر كمالا للسنة النبوية ، سواء من حيث روحها أو ممارستها الفعلية ، هي التي جاء بهـا الإمام مالك ، وقيدها في كتابه الموطأ. والسبب في ذلك يرجع إلى موسوعية معرفـة الرجل ، والى تواجده الجغرافي في مدينة النبي (صلى الله عليه وسلم) حيث كان يقيم عددا كبيرا من رجال المعرفة الذين ظلوا هناك متمسكين بالحفاظ على الدين في أصالته كما كان في زمن النبي (صلى الله عليه وسلم)، والواقع أنه ، وكما هو معروف ، لم يلحق بالدين أي بدعة أو مستحدثـة علـى الإطلاق في المدينة المنورة خلال الأجيال الثلاثة الأولى للإسـلام”

(Abdalhaqq Bewley, ‘The Recovery of True Islamic Fiqh: An introduction to the work of Shaykh Abdalqadir as-Sufi’ , (Op.Cit) .). 

وهكذا يخلص الشيخ عبد القادر الصوفي إلى أن كتاب الموطأ يعتبر الآن هو الدستور الإسلامي الأكثر صحة بعد كتاب الله عز وجل ، يقول عنه: ” الآن ، أي كتاب يأتي بعد الموطأ أو أية مجموعة أحاديث لايمكنها أخذ مكانة كتاب مالك في الريادة بعد كتاب الله القرآن الكريم لأسبقيته الزمانية ولمكانته بالمدينة ولقيمة كاتبه ، كل هذه الحجج تجعله يتموقع فوق أي شيء يأتي بعده تاريخيا . لا يمكن ، بأي حال، زعزعة الموطأ من ريادته بأي شيء آخر يأتي بعده ، ولاشيء يمكن أن يكون أكثر صحة منه ، وكل عمل جاء بعده إنما توقف عليه في الإسناد”،

(Abdal Qadir As-Sufi , Root Islamic education , Summary -Part One – , On line at http://bewley.virtualave.net Viewed July 2007 } ، 

وهذا ما يجعل الشيخ عبد القادر الصوفي يردد دائما في مقالاته وكتبه ما يفيد صحة وأهمية هذا الكتاب :

“There is no book after the book of Allah , which is more beneficial for people more than the Muwatta’” and “There is no book of knowledge on the earth more correct than the book of Malik”. 

-جهود عبدالقادر الصوفي وأتباعه في التعريف بموطأمالك ومذهبه:

من بعض تجليات هذه الجهود نجد:

1- ترجمة الموطأ إلى اللغة الإنجليزية ونشره وتوزيعه في الغرب على نطاق واسع. حيث أشرف على الترجمة الأولى للموطأ الشيخ نفسه ، قبل أن تسند الى الباحثة الأمريكية المسلمة عائشة عبدالرحمان بيولي الملقبة بالترجمانة(وهي من أبرزأتباع الشيخ في الغرب ، وأحد أهم المترجمين للأعمال العربية الكلاسيكية الى اللغة الأنجليزية ) مهمة الإشراف على ترجمة الموطأ وغيره من المتون الفقهية المالكية ، حيث قامت – بالإضافة الى الموطأ (Madina Press,1991)- بترجمة رسالة عبد الله بن أبي زيد القيراواني

(http://ourworld.compuserve.com/homepages/aBewley/Page17.html ينظر الكتاب في الموقع الإلكتروني التالي : ) 

وكتاب الطبقات لابن سعد الذي صدر في جزئين الأول تحت اسم: نساء المدينة(منشورات طه 1995) والثاني: رجال المدينة (منشورات طه 1997و2000) ، وترجمت أيضا كتاب: أصول الفقه المالكي لأبي زهرة

(http://ourworld.compuserve.com/homepages/aBewley/usul.htmlينظر الكتاب في الموقع الإلكتروني التالي : )

 The Fundamental Principles of Imam Malik’s Fiqh : ، وكتاب العواصم من القواصم للفقيه المالكي الإشبيلي أبي بكر محمد بن عبد الله بن العربي المعافري دفين فاس (منشورات المدينة بريس1991)، وكتاب الإعلام بقواعد الإسلام بحسب عمل أهل المدينة للقاضي عياض ، والعديد من المتون الفقهية الأساسية .

2- حث الشيخ أتباعه الغربيين على الاهتمام بالموطأ قراءة ودراسة وتمعنا. حيث تتركز أغلب دروسه ومحاضراته ومقالاته على توضيح أهمية التشريع الإسلامي الوارد في كتاب الموطأ ، كأسلوب فعال لحل مشاكل العصر ولبناء نهضة إسلامية جديدة قائمة على عمل أهل المدينة.

3- الاهتمام بالمتون المالكية الأساسية ، وتجلى ذلك في ترجمتها إلى مختلف اللغات الكونية وإصدارها ونشرها من طرف دور النشر التابعة للزاوية الحبيبية الدرقاوية ولشيخها عبد القادر الصوفي المرابط. وتملك الزاوية الحبيبية الغربية العديد من دور النشر أذكر من أهمها : Madinah Press ، Budgate Press و :D iwan Press 

4- الاستعانة بالشبكة العنكبوتية الدولية (الإنترنيت) لتوصيل المذهب المالكي إلى أكبر شريحة ممكنة من المجتمع الغربي ، وذلك عبر نشر المتون المالكية المترجمة إلى اللغات الغربية لاسيما الإنجليزية في مواقع الكترونية ذائعة الصيت ، ويكفي أن أسوق في هذا المقام موقعين شهيرين : الأول للشيخ عبد القادر الصوفي وهو غني بمجموعة من المقالات باللغة الإنجليزية التي تبرز أهمية كتاب الموطأ وقيمة صاحبه ، كما يتضمن العديد من الكتب الفقهية المالكية ، وعنوانه: http://www.shaykhabdalqadir.com/content 

والثاني للباحثة الأمريكية المسلمة عائشة عبد الرحمان ، وهو موقع جد غني يمكن متصفحه من التحميل المجاني لعدد من المتون المالكية المترجمة إلى الإنجليزية و على رأسها موطأ مالك ، عنوانه كما يلي: http://bewley.virtualave.net/index.html 

 

 

خلاصات:

وما يمكن استخلاصه مما سبق الحديث عنه:

1- حضور الأثر المغربي بشكل قوي في المشروع الإصلاحي الشامل للشيخ أيان دالاس ، سواء في تبنيه للمذهب المالكي أو العقيدة الأشعرية أو الطريقة الدرقاوية في التصوف.

2- اعتماد الشيخ أيان دالاس في مشروعه الإصلاحي على نماذج مستوحاة من الذاكرة المغربية ، أذكر منها :

أ* نموذجه في التصوف: سيدي محمد بن الحبيب الدرقاوي المغربي وغيره من الشيوخ المغاربة .

ب* نموذجه في السياسة : دولة المرابطين التي قامت في المغرب وعرفت بتعصبها للمذهب المالكي، مما حدا به إلى تغيير اسم تنظيمه الصوفي من الزاوية الحبيبية الدرقاوية إلى حركة المرابطين العالمية وذلك إحياء لهذا النموذج الإسلامي من الحكم .

ج* نموذجه في الحكم والقضاء: القاضي عياض أحد أعلام المغرب في الفقه والسيرة والحديث والأدب. كما نجد الشيخ عبد القادر الصوفي يتبنى المنظومة المغربية في التدين الموسومة بالمرشد المعين على الضروري من علوم الدين والمعروفة ب”متن ابن عاشر” : 

 (وبعدُ) فالعون من الله المجيد ** في نظم أبيات للأمي تفيد

في عقد الأشعري وفقه مالك ** وفي طريقة الجنيد السالك 

يقول عبد القادر الصوفي : ” ذهبت التعاليم الإسلامية الأصيلة غربا نحو شمال إفريقيا، وهذا جد مهم. وأقصد بالتعاليـم الجوهـر الأساسي للإسلام ؛ فالإسلام الذي نتحدث عنه لم يذهب شرقا إلى نيسابور ولم يذهب غربا إلى العراق ، لقد ذهب غربا إلى إفريقيا وهذه حقيقة تاريخية طمست من طـرف بنيـة السلطة التي تلتها” 

(Abdal Qadir As-Sufi, Root Islamic education , Summary -Part One – , On line at http://bewley.virtualave.net Viewed July 2007 } . 

 

خاتمة:

ومهما يكن موقفنا نحن كمسلمين أو موقف الغرب من مشروع الشيخ عبد القادر الصوفي (أيان دالاس) ، وهل بالفعل يمثل هذا المشروع رؤية حقيقية لواقع الأزمة في العالم الإسلامي؟ إلا أنه مع ذلك، لا يسعنا إلا أن نبارك مثل هذه الجهود الكبيرة والهامة في التعريف بموطأ مالك ومذهبه وسط المسلمين الغربيين ، وفي إبلاغ تشريعاته وفقهه إلى العالم الغربي الذي كان دوما يستفيد منها . ويكفي أن أذكر ما ذهب إليه الباحث : أحمد الواثق العمراني من أن تشريعات المذهب المالكي معمول بها فعلا في القانون الغربي ، يقول : ” لقد كان لموطأ مالك أكبر الأثر في تطعيم القانون الأوروبي ، وخصوصا قانون الأحوال الشخصية في فرنسا وغيرها باعتراف جمهرة الفقهاء الأوروبيين أنفسهم… وهذا ما جعل بعض المؤتمرات التي عقدت في أوروبا لدراسة القوانين تعترف أن الفقه الإسلامي يعتبر بحق من مصادر التشريع العالمي”

( أحمد الواثق العمراني، “مالك وأثره التشريعي الإسلامي-الأوربي”، مجلة الملتقى عدد خاص ب: الإمام مالك والمالكية ، عدد 18/2007 ،ص:195 ) .

 كما أن الإحساس بهذا التأثير دفع ببعض المفكرين والمسؤولين عن مراكز اسلامية وازنة بالغرب الى الدعوة لتبني المذهب المالكي كمصدر أساسي للتشريع عند المسلمين الغربيين ، ولعل من أبرز هذه الأصوات المؤرخ المغربي عبد الله بوصوف الذي يشغل منصب نائب رئيس المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية والذي يرى بأن :

“المذهب المالكي وعلى الرغم من نشأته بالمدينة المنورة ، فإنه قد ترعرع ونما في الغرب الإسلامي وعلى أرض أوروبية؛ هي الأندلس. بالإضافة الى أن الكثير من رموز المالكية تأثروا بالعقلية الأوروبية وأثروا فيها بفضل تعاملهم المباشر مع الأوروبيين من مسيحيين ويهود وغيرهم (أمثال ابن رشد، وابن خلدون… إلخ)، كما أن أصول المذهب المالكي فيها من المرونة ما يمكنها من إيجاد حلول لما تطرحه المجتمعات الغربية من تحديات على المسلمين. وهو أيضا مذهب طور مبادئ مهمة مثل “المصالح المرسلة” و”العرف التشريعي” و”شرع من قبلنا”، وهذه المبادئ ستساعد حتما الأقليات المسلمة على الاندماج في مجتمعاتها الجديدة . هذا إلى جانب تشجيع المذهب المالكي للاجتهاد”

(http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&cid=1203758163946&pagename=Zone-Arabic-News/NWALayout) . 

لنخلص في الأخير ، إلى أننا نستطيع من خلال التركيز على الجانب الفقهي ، لاسيما المالكي ، الدخول إلى المجتمعات الغربية ، والعمل على إحداث التواصل والحوار المنشود بينها وبين العالم الإسلامي. 

 

 

الهوامش والإحالات :

1- أحمد الواثق العمراني، “مالك وأثره التشريعي الإسلامي- الأوربي”، مجلة الملتقىعدد خاص ب: الإمام مالك والمالكية ، عدد 18/2007 ،ص:195

2- Abdalhaqq Bewley, “The Recovery of True Islamic Fiqh: An introduction to the work of Shaykh Abdalqadir as-Sufi”, (http://ourworld.compuserve.com/homepages/aBewley/saq.html) .

3- Abdal Qadir al-Murabit , The Sign of The Sword , (Norwich :D iwanPress)

4- Abdal Qadir As-Sufi , Root Islamic education , Ch. 1. On line at : http://bewley.virtualave.net Viewed March 2008 

5- Abdal Qadir As-Sufi , Root Islamic education , Summary -Part One – , On line at http://bewley.virtualave.net Viewed March 2008 

6- Abdul Wahab el-Affendi , « A False Dawn » in Inquiry Magazine (January 1998).

 7- Ali Kose , Conversion to Islam: A study of Native British Converts. London: Kegan Paul. (1996)

8- Fatima Harrak , « Le Soufisme Face A La Mondialisation : Cas Des Confréries D’Origine Africaine Aux USA » dans : Confréries Soufis d’Afrique : Nouveaux Rôles , : Nouveaux Enjeux ,2004 , Actes du Colloque International , Organise par l’Institut des Etudes Africaines Rabat,2-4 Octobre 2001,

9 – Ian Dallas , Collected Works , Budgate Press, Cape Town, 2005 - 

10- Marcia Hermansen , “The ‘other’ Shadhilis of the West” in The Shadhiliyya, ed. Eric Geoffroy, Paris: Maisonneuve et Larose , (2005)

11- http://ourworld.compuserve.com/homepages/aBewley/Page17.html

12- http://ourworld.compuserve.com/homepages/aBewley/usul.html 

13-http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&cid=1203758163946&pagename=Zone-Arabic-News/NWALayout 

2 Responses »

  1. This is a good and precise academic article .
    Really, it has been a good surprize for me to know that the islamic reformation project of Shaykh AbdulQadir As-Sufi is so important and significant not only for his movement but for all muslims around the world.

  2. محاضرة قيمة أضاءت عدة جوانب حول الأثر الصوفي لعلماء المغرب على الغرب الأوروبي
    أشكر الأستاذ الباحث على مجهوده الطيب في إبراز إبداع وأصالة المغاربة
    وأسأل الله عز وجل أن يوفقه لما فيه خير بلدنا المغرب

Leave a Reply